حج وعمرة - حج - ١٠أيام

عرفات دهشة القربات

حجاج يصعدون جبل عرفة لأداء أهم أركان الحج. (shutterstock)

أمر الله نبيّه إبراهيم (عليه السلام) بنداء الناس لشعيرة الحج، حينما قال سبحانه: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. وجعل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) هذه الشعيرة هي الركن الخامس من أركان الإسلام ولمرة واحدة في العمر تحكُمها استطاعة الانسان.

ويتمّ تنفيذ غالبية أركان الحج وواجباته وسُننه في منطقة المشاعر المقدسة في مكة المكرمة وهي: مشعر منى ومزدلفة وعرفات، حيث يقضي فيها الحجاج أيامًا معدودات يؤدون فيها نُسكهم، ليعود الحاج أو الحاجة كيوم ولدتهم أمهاتهم طهرًا ونقاء.

مسلمون يصعدون جبل عرفة ليلًا.(shutterstock)

وتتفاوت أهمية هذه المشاعر بحسب موقعها بين أركان الحج وواجباته. ومن أهم أركان الحج الوقوف على مشعر عرفة في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة.

فمن دون أداء ركن الوقوف على عرفة لا يتمّ الحج، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث: "الحج عرفة"، ووصفه الله في القرآن الكريم بيوم الحج الأكبر حين قال: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ﴾.

وفيما يتعلّق بواجبات الحج، يُمكن جبرها بكفارة دم. وفيما يتعلّق بسننه، فلا يترتّب شيء على المسلم إذا تركها، بخلاف أركان الحج التي لا يُمكن تركها البتة.

مسلمون يخطّون اسماءهم على موقع موطىء قدم آدم في جبل عرفة. (shutterstock)

ولذلك يتزاحم الناس على صعيد عرفات من كل عام ملبّين نداء الله لهم وقائمين بأهم أركان الحج على أرض عرفات الطاهرة.

يقفون تحت شمسها الساطعة، ويتزاحمون فوق أرضها الساخنة، بعضهم يُكرمه الله بأن يقضي يوم عرفة في الظلّ تحت الخيام، وبعضهم يقضيه في مسجد نمرة، وبعضهم يجد شيئًا من الظلّ في الأزقّة بين المخيمات. ولكن السواد الأعظم منهم يقضيه تحت شمس عرفات الساخنة، وقد جرّبت ذلك الشعور كثيرًا، ولله الحمد والمنّة.

ولا يهمّ اختلاف المكان، سواء كان الوقوف في الظلّ أو تحت الشمس الحارقة، فالأهم اتفاق الحجاج على منسك واحد، يقفون بلبس واحد، وقد ذابت كل الفوارق بينهم، فلا فرق حينها بين غني أو فقير، أبيض أو أسود، كبير أم صغير، جميعهم وقفوا في مكان واحد، وبلسان واحد قالوا: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ".

حاج يبتهل إلى الله من جبل عرفة. (shutterstock)

وأنت تراهم في عرفات مُلفّعين بالبياض، تشعر من روعتهم بأنهم ملائكة وليسوا بشراً يتباهى الله بهم أمام الملائكة، كما جاء في الحديث القدسي حيث يقول الله (سبحانه وتعالى) للملائكة عشية يوم عرفة:"انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا، لَقَدْ أَتَوْنِي مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَمَغْفِرَتِي، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ". فكل مسلم ومسلمة يتمنّون نيل فرصة مغفرة كهذه.

وحينما يقترب موعد الغروب ترى المشهد المدهش، حيث يقف الجميع رافعين أيديهم للسماء، راجين باكين مبتهلين لمولاهم، يرسل كل واحد منهم رسالته الخاصة إلى الله، ويطلب كل شخص منهم أمنيته من ربه.

حاج يصلّي على جبل عرفة. (shutterstock)

مشهد شجن باكٍ يذوب فيه الخجل بين الجميع. وحينها من لم يبكِ بصوته بكت عيناه والكل يدعوا ربه بشغف.

ورُبّما تحقّقت جميع نجاحات السنة بتلك الدعوات، وربما حقّق الإنسان المستحيل بتلك الابتهالات.. فالله يُعطي الجميع طوال العام، ولكن في يوم عرفة، اليوم الذي يُحبّه (سبحانه وتعالى) كثيًرا، يُعطي أكثر فأكثر.

كتابة : حمد عبد العزيز الكنتي

12
2
hide 10 related_articles