تاريخ وثقافة - تاريخ - شهر

أبوصير حيث نزل الوحي على عزيز مصر!

سجن النبي يوسف في قرية أبو صير المصرية. (Ahlmisr.com)

رحلة يملؤها الشوق والحنين، يُهوّن عليك مرارة طرقها رؤية مكان لا يعلم عنه الكثير من أبناء العالم الإسلامي. على مسافة تبعد عن قاهرة المعزّ نحو ١٨ ألف كيلومتر، وبين معالم يُعدّ هو أفضلها، يقع المكان الذي نزل فيه الوحي على أجمل الخلق الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكرام يوسف بن نبي الله يعقوب (عليهما السلام).

قصر العزيز الذي أهانة المصريون، ونسيه الزعماء الروحانيون، حضارة آلاف السنين، كلها تحت التراب، مكان تجتمع فيه آثار دينية لأصحاب كل الديانات.

كرامات السجن

هذا المكان الطاهر والذي يقع في قرية أبوصير، صاحب البردية والهمزية في مدح رسول الله، وواحدة من أعرق قرى مصر وأقدمها والتي لا يعرف عنها أحد. وربما أبناء الأزهر الشريف أنفسهم كذلك. منطقة كانت مقراً للأسر الفرعونية من الثالثة وحتى والثامنة.

فى نهاية جبل وعر يبعد عن قصر العزيز بنحو ٣ كيلومترات تقريبًا، سارها يوسف على قدميه الطاهرة، ترى قبّة صغيرة مُحاطة بالخشب تمتد لأكثر من ٣٥ مترًا تحت الأرض، قضى فيها يوسف سجنه لبضع سنين، تكاد تُسقطها رياح خفيفة، لولا قدسية هذا المكان ورعاية الله (عز وجلّ)، ما يدلّ على الظلم الذي تعرّض له نبي الله يوسف في حياته من الملك، وبعد مماته من المصريين.

هذه القبّة الصغيرة تحوّلت إلى قبلة لأهالي المنطقة لمناجاة الله من فوقها إذ أنهم يعتقدون أن الدعاء إلى جوار السجن مقبول، وأن المرأة العقيم ستُنجب إذا مازارت السجن، وأن المشاكل ستُحلّ، وأن السحر سيفكُ بمجرد الوصول إلى هذا المكان، وهو ما أكده أحد سكان المنطقة محمد عبد التواب لتطبيق "وي سلام" من دون أن يعي أهمية هذا المكان وطهارته.

مكان وجود سجن النبي يوسف. (alshoruq.net)

ويستطرد عبد التواب أن اليوم الرابع عشر من شهر جمادى الأولى كان يوم عيد بالنسبة لأهالي القرية الذين كانوا يزورون السجن فيه، إلا أن هذه العادة انقضت تمامًا مع مرور الأيام.

وفي الأثر عن بن عباس (رضى الله عنهما)، قال إن "جبريل عليه السلام أتى يوسف الصديق في هذا السجن المظلم، فقال له يوسف من أنت الذي منذ دخلت السجن ما رأيت أحسن وجها منك، فقال له: أنا جبريل. فبكى يوسف عليه السلام وقال: ماذا يفعل جبريل في مقام المُذنبين فقال له: أما علمت أن الله يُطهّر البقاع بالأنبياء، وقد طهّر الله بك السجن فما أقام حتى آخر النهار حتى أخرجه الله من السجن".

ويحكى أيضًا أن كافور الإخشيدي، سأل أبا بكر الحداد عن مكان يُجابُ فيه الدعاء ليدعو فيه، فدلّه على سطح سجن سيدنا يوسف.

وروى أحد أهالي المنطقة عبد المنعم سلامة لـ "وي سلام" أن "القدماء قاموا ببناء هذه الحضارة بعيدة عن النهر وعن الأراضي الزراعية حتى تبقى شاهدة على تاريخهم طوال الزمان، إلا أنه بسبب جهلنا للحضارة الإسلامية، تركنا المكان حتى انتهى به الحال إلى أن يكون جبلًا من الرمال، تتبعثر القمامة فوقه".

المنطقة المحيطة بسجن يوسف في أبو صير. (eremnews.com)

إهانة العزيز

يقع قصر العزيز في قرية العزيزية، المشتقّ اسمها من اسم عزيز مصر، الذي تكلّم عنه القرآن هو وزوجته زُليخة، ودوره في تكوين شخصية سيدنا يوسف.

العزيزية التي أعزّها الله بسير أقدام أنبيائه عليها. فإلى هنا جاء نبي الله إبراهيم، وتزوّج بالسيدة هاجر أم نبي الله إسماعيل، وجدة خاتم الأنبياء والمُرسلين محمد (صلى الله عليه وسلم). وتزوّج من أهلها إسماعيل، ليُصبح بذلك أهل العزيزية أخوال العرب جميعًا على مر العصور.

إلا أن حال القرية الآن يُرثى لها، فتحوّل نحو ٤٠٠ فدان وأكثر إلى مصرف صحي، أو منشر غسيل لأهالي المنطقة على ما تبقّى من أعمدة القصر، وبؤرة لارتكاب كل قبيح، وأفضل مكان للتنقيب عن الآثار بكل راحة.

أعظم زيارة 

ناهيك عن كل ما سبق، فعلى أرض العزيزية استقبل يوسف (عليه السلام) أبيه يعقوب (عليه السلام) وإخوته، لتتحقّق بذلك أشهر رؤيا عرفها التاريخ الحديث والقديم.

داخل سجن يوسف حيث توجد قبة خضراء تحتها السرداب المؤدي الى السجن. (masralarabia.com)

مقهى العزيز

قصر العزيز، أو كما يُطلق عليه الكوم، أصبح عبارة عن هضبة كبيرة من الأكوام والأحجار الكريمة والتاريخية التي يعلوها جميع أنواع القمامة. أما الأسوأ أنه جرى اقتطاع جزء منها وسط غياب كبير من الدولة لإقامة مقهى سُمّي بـمقهى العزيز، ناهيك عن تعرّض المكان للسرقة والنهب وخاصة بعد ثورة "يناير"، حسبما ذكر أهالي المنطقة.

أصل البدرشين

عندما خرج سيدنا يوسف (عليه السلام) من السجن، قابل زليخة زوجة العزيز، بعد أن ذهب جمالها، فقال لها: "مال البدر أصبح شين"، ومن هنا جاءت تسمية البدرشين التي يعرفها الجميع الآن.

داخل قرية العزيزية ترى أحواضًا كثيرة، إلا أن أهمها هو حجر زليخة، والذي كانت تستخدمه للاستجمام بصحبة الأميرات اللواتي قطعن أيديهن عند رؤية أجمل الخلق، كما حكى لنا القرآن الكريم. ولكن لم يبقى حاله كما هو عليه، وتغيّر المكان ليُصبح منطقة زراعية لساكني المنطقة.

 سجن النبي يوسف. (ahlmasrnews.com)

نفاد الخزائن

أثناء جولتنا داخل القرية المُهمّشة، رأينا مخازن أشبه بالكنوز لمن يعرف حقيقتها. لكن سكان المنطقة يقومون بتوسعة أراضيهم لينهلوا من فضلها، ويأكلوا من ثمرها، ويرتعون فيها حسبما تشتهي أنفسهم، ويملي عليهم مزاجهم.

هنا كانت مخازن الغلال في زمن عزيز مصر، والتي ذكرها الله في كتابه: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، لكنها الآن أصبحت خاوية على عروشها، مٌقسّمة لمن بأيديهم القوة، وملهى لأطفال المنطقة في المواسم والأعياد.

كتابة : أحمد حماد

7
0
hide 10 related articles