حج وعمرة - حج - ١٠أيام

سعدية مفرح: "هذا الجناح جناحي"!

حجاج أمام الكعبة الشريفة. (shutterstock)

سعدنا في تطبيق "WeSalam" بإجراء هذا اللقاء مع الشاعر والكاتبة الكويتية سعدية مفرح وإلقاء الضوء على كتابها "هذا الجناح جناحي"، الذي تحدّثت فيه عن تجربتها في الحج.

 - سؤال : بداية ما الذي دفعك لتأليف الكتاب؟ كيف جاءت الفكرة؟ 

جواب : لم أكن أنوي تأليف كتاب عن الحج أو عن الرحلات عمومًا. بدأت الفكرة بمجرد مقالة أحببت أن أسجل فيها بعض انطباعاتي عن تجربة الحج بعد عودتي من أداء الفريضة لأول مرة في حياتي. لكن المقالة الأولى لم تكن كافية لتسجيل كل تلك الانطباعات، فأردفتها بأخرى ثم ثالثة. وهكذا استمرت السلسلة لما يزيد عن عشرين مقالًا. واختتمها بتعليقات القرّاء التي كانت تردني بعد كل مقال في موقع جريدة "الرياض" حيث كنت أنشر السلسلة. ولاحقًا عندما عدت الى البيت العتيق لأداء العمرة، شعرت بالحنين لكتابة ذكرياتي وانطباعاتي فكتبت ثانية. وهكذا تكوّنت فكرة الكتاب، فجمعت المقالات كلها وراجعتها ودفعت بها الى الناشر الذي استحسن الفكرة، فصدر الكتاب بعنوان "هذا الجناح جناحي"، وبغلاف جميل جدًا للفنان السعودي المبدع والرائع فهد خليف. ولهذا الغلاف حكايته الخاصة هو الآخر، فعلى الرغم من أن اللوحة لم يرسمها الفنان للكتاب، بل كانت موجودة فعلًا في مرسمه، إلا أنها عبّرت بشكل دقيق وعجيب عن فكرة الكتاب كله. إذ تماهى فيها جناح حمامة من حمائم الحرم مع جناح الطائرة في فضاء بيت الله الحرام.

-سؤال: عرفناك من خلال كتب الشعر، كيف كانت تجربة "أدب الرحلات" معك؟

جواب: بعد تجربة هذا الكتاب، أصبحت أتمنى أن أعيش حياتي سفرًا دائمًا لأكتب عن كل ما أرى وعن شعوري تجاه ما أرى. السفر متعة حقيقية، ومن الطبيعي أن يُفضّل المرء أن يعيش تلك المتعة بشكل مضاعف مرات ومرات بعد انتهاء التجربة، وهذا يتحقّق بالكتابة التي لا يُنافسها في ذلك حتى التصوير.

-سؤال: هل قُمتِ بتوثيق فترة الحج من خلال قصيدة؟

جواب: لا.. لم أفعل. القصيدة أكثر حرية من أن أستخدمها في توثيق أي حدث يمرّ علي في حياتي قصدًا. الشعر حالة جمالية خالصة لا تصلح للتوثيق، ولا ينبغي لنا أن نُحمّلها أعباء كهذه.

-سؤال: كيف استلهمتِ عنوان الكتاب "هذا الجناح جناحي"، حدّثينا عن القصة عن تلك اللحظات في الطائرة؟

جواب: حسنا، هذه واحدة من أجمل لحظات الحج وأكثرها إثارة بالنسبة لي. عندما ذهبت إلى الحج، كان ذلك هو سفري الأول، أعني سفري الأول على الإطلاق. وكنت في الأربعينيات من عمري. فانظر كيف يُمكن لامرأة بلغت هذا العمر من دون أن تعيش تجربة السفر أبدًا، ثمّ يُتاح لها أن تسافر إلى بيت الله الحرام لأداء الفريضة بواسطة الطائرة. كنت قد جلست في المقعد المجاور للنافذة، وكان الأمر بالنسبة لي يبدو مألوفًا كما لو أنها سفرتي المئة.

ولأنقل لك شيئًا من ذلك الشعور سأعود للكتاب، لمقدمته تحديدًا. أنقل منه هذه الفقرة: "عندما جلست على مقعد الطائرة لأول مرة في حياتي، تملكني شعور ملتبس لا أستطيع الآن وصفه خاصة، وأنني منذ اللحظة الأولى حاولت تجاهل ذلك الشعور بالانشغال في كل شيء حولي. وكنت أقتنع أنه شعور معتاد وكأنها ليست المرة الأولى.

هل فوجئت باعتيادي على الأمر كله؟

أم أنني احتلتُ على نفسي ليبدو الأمر معتاداً؟

كنت أنظر لجناح الطائرة عبر النافذة الصغيرة، وأراه وهو يتحرّك استعدادًا للإقلاع فقط لأتأكد أنني سأُقلع أخيراً. 

لوهلة شعرت أن هذا الجناح جناحي. وهو منفرد، فلم يتسنّ لي بالتأكيد رؤية الجناحين معًا في نفس اللحظة، وهذا ما جعلني أُصدّق فعلًا أنه جناحي الوحيد....."

كتاب "هذا الجناح جناحي" لسعدية مفرج.

  -سؤال: ما أكثر شيء لفت نظرك في الحج؟

جواب: الهدوء.. ملايين من البشر في المكان ذاته، ولكنّي كنت أستشعر هدوءً يلفّ الحرم كله. وعلى الرغم من الأصوات واللغات واللهجات واللكنات، إلا أن الهدوء كان يُمثّل لي كل شيء تقريبًا. وبالتأكيد لا بد أن أُشير هنا إلى الجهود الضخمة المبذولة من قبل القائمين على أمر الحج في المملكة العربية السعودية، والذين يتعاملون مع هذه الملايين من البشر في وقت محدود بكل سلاسة وتنظيم واحترام.

-سؤال: كيف كان تصوّرك قبل الحج عن رحلتك، ثم كيف كان بعدها؟

جواب: ذهبت إلى بيت الله الحرام مُحمّلة بأسئلة وجودية كبيرة تتعلّق بمعنى الفريضة وبكل تفصيلة من تفاصيلها الكثيرة، وكنت أتشوّق لوجود إجابات عن تلك الأسئلة. لكن ما حدث هو أنني عُدت مُحمّلة بالمزيد من الأسئلة الجديدة، والتي أظن أنها أصعب وأكثر تعقيدًا مما كان في جعبتي. 

أنا عاشقة وفية للأسئلة، وأحيانا أشعر أن الإجابات لا تهمني بقدر ما تهمني قدرتي على إنتاج المزيد والمزيد من الأسئلة الجديدة حول كل شيء ومنها الأمور المتعلّقة بالدين على صعيد العقائد أو العبادات. ويبدو أن الحج بكل طقوسه كان بيئة مناسبة بل ومثالية جدًا لإنتاج الكثير من علامات التعجّب والاستفهام. أما على صعيد الرحلة ذاتها، فكُنت، وفق ما أسمع من الكثيرين حولي، أظنّ أنها شاقّة ومُرهقة، لكننّي وجدتها مريحة جدًا وفي كل مراحلها، للدرجة التي شعرت فيها أحيانًا بتأنيب الضمير أنني لم أتعب ربما بما يكفي ليكون حجّي صحيحًا وحقيقيًا. وعندما تورّمت قدماي من المشي بعد انتهاء مهمة رمي الجمرات في يومها الأول، داهمني شعور بالغ بالسعادة وسط استغراب من حولي يومها. كنت أودّ أن أعيش المشقّة الحقيقية للحج بأي شكل من الأشكال، ولهذا فرحت بأول علامة ملموسة على علامات المشقة على الرغم من بساطتها. 

-سؤال: يغلب على الكتب التي أُلّفت عن الحج "طابع اليوميات" التي يُذكر كل شيء فيها بالتفصيل، لماذا خرجتي عن المألوف؟

جواب: أتمنى أن أكون قد نجحت في الخروج عن المألوف فعلًا في هذا الكتاب. الإبداع الحقيقي هو الخروج عن المألوف، ولا أعترف بكتابة تكرّس المألوف، ولا بكاتب يسير على خطى السابقين. المبدع الحقيقي هو الذي يجتهد في صناعة الطريق، لا في مَن يسير على طريق مصنوع مسبقًا. لقد كنت أُسجّل مشاعري.. وأحاول أن أتقصّاها حتى لا تضيع بكل ما يُسيّجها من دهشة مُستمدّة من تلك الأسئلة الموجودة الحارقة. ولا أدري إن كنت قد نجحت أم لا، لكنّها على الأقل تبقى محاولة وأنا سعيدة بها. وسأخبرك بشيء هنا، هذا الكتاب ربّما هو الكتاب الوحيد من كتبي الذي أعود إليه وأقرأ منه بضع صفحات أحيانًا. فغالبًا تنتهي علاقتي بكُتبي بعد صدورها ونشرها، وعندما أضطر للعودة إليها أشعر بضيق شديد، إلا في هذا الكتاب، ربّما لأنني أستعيد من خلال قراءتي فيه تلك المشاعر التي اجتاحتني أثناء وجودي في رحاب البيت العتيق والمسجد النبوي الشريف.

سعدية مفرج في الحج. (wesalam.com)

-سؤال: ضمن مؤلفاتك، أين يقع كتاب "هذا الجناح جناحي" من حيث الأهمية أو التجديد في أسلوبك الكتابي؟

جواب: لم أتعوّد على تقييم كتبي بهذا الشكل، ولا حتى مقارنة بعضها ببعضها الآخر. لكل كتاب مكانته وأهميته، لكنّني أحرص دائمًا أن يحمل كل كتاب جديد تجديدًا ما. ومع هذا، أستطيع أن أعتبر أن لـ "هذا الجناح جناحي" مكانة وجدانية حميمة جدًا.

-سؤال: ما هي أبرز كتب الحج التي تأثّرتِ بها؟

جواب: لا أتذكّر أنني قرأت كتبًا للحج في السابق، سوى كتب العبادات العادية. لكنّني حصلت لاحقًا على كتاب للأنثروبولوجي المعروف عبد الله حمودي عنوانه "حكاية حج"، ويحكي فيه، كما فهمت مبدئيًا، عن تفاصيل رحلته إلى الحج لأول مرة أيضًا. لم أقرأ الكتاب بعد، وأتمنّى أن تُتاح لي الفرصة قريبًا للاطلاع عليه وعلى غيره من كتب حكى فيها مؤلفوها عن تجاربهم في الحج. ومن يدري؟ ربما سأحاول الكتابة عن تلك التجارب الكتابية في ضوء تجربتي الخاصة. أتمنى ذلك فعلًا، وهي فكرة خطرت على بالي للتو.

-سؤال : بعد اطلاعك على محتوى "WeSalam"، كيف تصفين تجربتنا في إنشاء محتوى مختصّ بالحج والعمرة؟

جواب: سعدتُ جدًا بتوفّر مثل هذا التطبيق المهم، وأتمنّى أن يتطوّر أكثر، وأن يكون رفيقًا حقيقيًا للحاج والمعتمر ولمن يتشوّق إلى الحج والعمرة أيضًا. هناك الكثير مما يُمكن أن يُضاف للتطبيق، ولكنّني أتمنّى من القائمين عليه أن يُحافظوا على بساطته، وألا يُرهقوه بتفريعات وخدمات إضافية لا يحتاجها المُتصفّح في مثل هذه التطبيقات. أظنّ أن التطبيقات تنجح أكثر كلما كان بسيطة وسهلة الاستخدام من قبل الجميع.

كتابة: سفر عيّاد 

11
0
hide 10 related_articles