إقتصاد - حج وعمرة - شهرين

٣ أسواق خلّدها التاريخ في ذاكرة الحج

صورة تاريخية لأحد أسواق مكة. (hajj.media.gov.sa)

على مرّ العصور، ارتبطت أسواق تجارية بالحج، واقترنت به مكانيًا وزمانيًا. ووجد الحُجّاج فيها مساحة واسعة للتبادل التجاري، ومنابر إعلامية حفظت للعرب لغتهم وفصاحتهم، فكان انعقادها بمثابة كرنفال يضمّ ألوانًا مُتعدّدة من الاحتفالات وعمليات البيع والشراء من المأكل والمشرب والملبس، ومُقارعة بين الحشود في الفصاحة والأدب، حتى أضحت محط أنظار الوفود المتوجّهة للحج. وما زاد في مكانتها وعلو شأنها، توجّه النبي (صلى الله عليه وسلم) إليها لدعوة القبائل المُتواجدة فيها للإسلام، فخلّد التاريخ اسمها في ذاكرة الحج. 

يستعرض تطبيق "WeSalam" هذه الأسواق، وما كان يجول فيها من طقوس واحتفالات متنوّعة.

سوق عكاظ

سوق عكاظ. (scth.gov.sa)

هو أول الأسواق التي كان يقصدها حجاج القبائل في الجاهلية عند توجّههم للحج. يقع سوق عكاظ بين مكة والطائف، وكانت القبائل العربية المُتّجهة إلى الحج تبدأ تسوقّها بعكاظ في الأيام العشرين الأوائل من ذي القعدة، وهو أحد الأشهر الحرام التي حُرّم فيها القتال أو الاعتداء على القوافل. هذا الأمر دفع بكثير من القبائل إلى المجيء إلى السوق من دون خوف على تجارتهم أو أموالهم.

 ويُعدّ عكاظ محط أنظار التجّار من خارج الجزيرة العربية من فارس وغيرها من البلدان، ويغلب على السوق طابع التفاخر والتباهي، حيث كان يتبارى الشعراء في من يقهر الآخر ويغلبه بفصاحة لسانه ولغته. وكان الشعراء جميعًا، حتى المتوجّهين من خارج الجزيرة العربية، مُلزمين باستخدام لهجة قريش في سرد قصائدهم وخطبهم في السوق.

كما عُرف أيضًا عن سوق عكاظ أنه محط التقاء الرجال والنساء معًا، يجتمعون فيه لعقد الزواج في كثيرٍ من الأحيان. كما كان المُبشّرون للديانات الأخرى يرتادونه للدعوة إلى دياناتهم.

وكان السوق يضمّ بين جنباته العديد من السلع المُتنوّعة المعروضة للبيع من أكل وشرب وحرير وحلي ومنتجات فخارية يدوية بأشكال مُتعدّدة.

سوق مجنة 

ما تبقّى من أنقاض سوق مجنة. ( alshaamal.com)

هو الوجهة الثانية في رحلة حجاج القبائل العربية إلى الحج، فبعد أن يقضوا الأيام العشرين الأولى من شهر ذي القعدة في سوق عكاظ، يتوجّهون إلى سوق مجنة في الأيام العشرة الأخيرة من شهر ذي القعدة في أسفل مكة، ويُعرف بمرّ الظهران ويُسمّى حاليًا (وادي فاطمة).

وللسوق طابع مختلف عن الأسواق الأخرى. فعلى الرغم من انتعاش الحركة التجارية والثقافية فيه، إلا أنه يُعدّ ملتقى لأهل السياسة والفكر، وأرض خصبة تُطرح فيه آراء مُتنوّعة في الإدارة والحكم والتنظيم. هذا الأمر دفع النبي (صلى الله عليه وسلم) للتوجّه إليه ودعوة القبائل المُتواجدة فيه للدخول إلى الإسلام.

وفي سوق مجنة، تقضي القبائل المُتوجّهة إلى الحج الأيام العشر الأخيرة من شهر ذي القعدة حتى إذا هلّ هلال ذي الحجة، دفعت وفود هذه القبائل إلى نقطة التجمّع الثالثة والأخيرة قبل أداء الحج إلى مكة (سوق ذي المجاز).

 سوق ذي المجاز

موقع سوق ذي المجاز. (okaz.com.sa)

هو المحطة الثالثة في رحلة أسواق العرب القديمة قبل موسم الحج، ويُقام بعد انتهاء تسوّق القبائل المتوجّهة للحج من سوق عكاظ ومجنة، حيث يُقام في أول ذي الحجة وحتى اليوم الثامن (التروية). حينها ينتقل الحجاج إلى مشعر عرفات لأداء المناسك.

ويبعد سوق ذي المجاز ١٥ كلم تقريبًا شمالي منطقة عرفات، ويقع فيه أحد أشهر الجبال في مكة المكرمة جبل كبكب. واعتُبر السوق أكبر محفل عربي آنذاك، إذ يضمّ مختلف القبائل العربية من اليمن وحضرموت وعمان ونجد والبحرين والحجاز وتهامة وبلاد الشام والعراق.

وما يزيد السوق أهمية تاريخية أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يقصده من أجل عرض دعوته على القبائل العربية التي كانت تأتي من حدب وصوب.

وشهد السوق وقتها العديد من الفعاليات المتنوّعة من بيع وشراء، وتنظيم قصائد يتفاخر الشعراء فيها بأنسابهم وقبائلهم، إلى جانب اللهو الذي كان طاغيًا في السوق آنذاك. حتى إذا أكملت القبائل فيه اليوم الثامن، انتقلوا إلى صعيد عرفات في اليوم التاسع لأداء مناسك الحج.

كتابة: فيصل السلمي

9
0
hide 10 related articles